عن الرئيس البكر والشيوعي العميل لحزب الدعوة

المقاله تحت باب  قصة قصيرة
في 
27/11/2012 06:00 AM
GMT



كلما تجمّعنا نحن الأولاد للعبِ كرة القدم، اعترض أبو نافع و منعنا من اللعب إذا لم ننفذ شروطه. هذا الرجل الذي ناهز الستين من عمره و المصاب بمرض الربو الحاد المزمن يشترط أن يكون هو الحكم جلوسا على كرسيّ يضعه تحت ظل شجرة الصفصاف أمامَ دارِهِ، الأكبر من بين بيوت (الدربونة)، لا لعب إذا لم يكن هو من يحكم المباراة ، لا لعب إذا لم ينفذ يشرف هو على ضربات الجزاء ضد الفريقين، بالمقابل يسمح لنا أبو نافع باللعب، و جلب الكرة إن سقطت في داره، وكذلك شُرب الماء من خرطوم المياه الذي يضعه تحت إحدى قدميه و عليك أن تطلب بأدب قبل أن تشرب!، كان علينا أيضاً أن نستمعَ لبطولاتهِ التي يقِصُها أثناء فترات الاستراحة، و منها ادعاؤه بأنه هو من أعطى عبد الوهاب الغريري موعد مرور الزعيم قاسم في شارع الرشيد يوم محاولة الاغتيال، حيث كان يراقب تحركات الزعيم من منارة جامع الحيدرخانه لشهر كامل يتغذى فيها على الحمام الزاجل و يشرب من ماء المطر!، و أن مرض الربو أصابه نتيجة الدعوة الصادقة التي دعتها إحدى نساء منطقة الشاكرية على كل من خطط و ساهم و نفذ محاولة الاغتيال!.

بالرغم من تذمر غالبية الأولاد من سيطرة أبي نافع هذه لكنني كنت من المستمتعين بأحاديثه، كنت اشعر انه لا يكذب لكنه يبالغ إلى حد أنه لو كذب لكان ارحم على السامعين، كُنتُ أشفق عليه كثيرا، رجل بهذا العمر، بمرض كهذا، يعيش وحيدا في هذه الدار الواسعة، لا يزوره إلا رجل طويل غامض لا يتكلم كثيرا، يتسوق له ما يحتاج و يشذب له أغصان الشجر مرتين أو ثلاث في الأسبوع، أما إذا اشتهى أبو نافع الكباب فكان علينا أنا و وليد ابن الحجية و عباس المعوق و سامي اليتيم أن ندفع كرسيه المتحرك إلى مطعم كباب حسن العجمي الواقع عند بوابة جامع براثا، يُشاركنا في ذلك من شاء من الأولاد، رحلة قمة في المتعة نتبادل فيها دفع الكرسي و نحن نُصدرُ أصواتَ المحركات و بعضنا يغني و يصفق بينما أبو نافع يرفع يدَهُ تحية لحجي سلمان العطار و فاضل الباسكلچي و صبري الحلاق و عدنان مالك المكتبة و أبي عمار صاحب تكسيات عمار و الذين تناثرت دكاكينهم على طول شارع الدامرچي و صولا إلى جامع براثا حيث حسن العجمي و كبابه الشهير، هذا الكرنفال ذو( الزعاطيط) كان ينثر الفرحة، و كنت أرى سَكَنةَ البيوت يطلون من خلفِ أسوارِ حدائقِهِم ذاتِ البرحي والنارنج، فمنهم من يضحك و منهم يُشاكسنا برش الماء علينا و نحن غارقون بالضحك، ( المغثة) تأتي عند وصولنا الجامع، حيث يجلس جلاوي الدفان متعهد مقبرة (المنطگه) بأنتظار الموت، أو بأنتظار أن يأتي له الموت برزقِه.

قال لنا يوما أن أكثر ما يُطربُه صوتُ النائحة و اشد ما يقلقهُ حملات التلقيح.

ما أن يرى جلاوي موكبنا حتى يقول كعادته و بأعلى صوته:

- عمو أبو نافع اشوكت نسترزق منك، تره طولتها السالفة ! والله عندي الك مترين وره كباب حسن العجمي و كافور هندي و كفن مغسول بمي زمزم!

وكان رد أبي نافع دائماً حاداً و مباشراً:

- لك جلاوي آني اخليك تدفني؟، لك انت دفان مال أطفال، و اني رجّال حتى الموت حار ويايه، وداعت ابو هيثم الي ما احلف براسه كذب إذا ماتبطل من سوالفك هاي ابلغ عليك الشيخ علي الصغير لو ابنه جلال، وأنته تعرف شيصير بيك لو عرفو انك جاي تشرب عرگ بالمقبرة!.

حينها فقط يسكت جلاوي و يضحك الحضور، واغلبهم من سائقي الباصات أو عمال سكك الحديد، ان يُقسم أبو نافع بأبي هيثم كان يثير الخوف لدى الجميع، حينها كان احمد حسن البكر رئيساً للجمهورية، والذين يُقسمونَ بكنيته (أبي هيثم) أما لهم ضلع في الدولة أو من أقاربه أو من المتملقين الخطرين كُتابِ التقارير، كانت الناس لا تتحرش بمثل هؤلاء.

لكن في زمن المؤامرات لا يخلو الامرُ من مؤامرة ، فقد قرر وليد ابن الحجية و عباس المعوق التخلص من أبي نافع حتى يخلو لنا الشارع نلعب متى ما نشاء دون تسلط أبي نافع، تجمع عددٌ منا تحت جسر الصرافية تلبية لدعوة وليد ابن الحجية، وبعد ان قفزنا قفزة أو قفزتين في دجلة و أكلنا ما سرقناه من بستان الحاج نجم من تمر خَطَبَ بنا وليد ابن الحجية قائلا:

- اسمعوا ولكم ثولان الكرخ و عارات العطيفية اليوم اني جايبكم أهنا مو حته اونسكم، اليوم احنه اهنا حته نخلص من هذا أبو نافع للأبد، اشلون ترضون على نفسكم الذلة؟ اشلون ترضون ايضحكون علينه جماعة الرحمانية و يگولون انه هذا أبو نافع أبو التنگ أبو ربع نفس ماخذ (بوشنه)؟.

واذا كان ابو نافع يخوفكم من يحلف بابو هيثم فآني احميكم، اهلي كلهم من جماعة ابوهيثم !!! و عندما قاطعته قائلا:

- وليد هذا مريض خطيه! صرخ وليد:

- اسكت محمد ما طلع عينه غيرك !! المهم اني قررت ان نتخلص من هذا أبو نافع لذلك عندي حلين الأول أروح للشعبة الحزبية و اگلهم هذا أبو نافع شيوعي و يشتغل ايضا لصالح حزب الدعوة، حتى اذا خلص من الأولى ايروح بالثانية، الحل الثاني اشتري بطل عرگ لبو سيارة الدخان و اخليه ايذب حمل السيارة كله اباب أبو نافع حتى يختنگ و يموت.

قالها و قفز قفزة متهورة أخرى في دجلة الخير!

أقلقني جداً وليد ، فهو عنيد و متهور و يحاول ما استطاع تقليد خاله ستار قامه أشقى أشقياء الكرخ ، أقلقني اكثر أنني احمل سرا كبيرا اودعَهُ عندي أبو نافع في ازمتهِ الأخيرة، وهو رقم الهاتف الشخصي لأبي هيثم ! قال لي حينها:

- عمو محمد انته خوش ولد ، هاي الورقة بيها تلفون أبو هيثم ، اول شي اتسويه من تسمع بموتي تتصل بأبو هيثم و تخليه يجي يدفني!

بكى حينها و لم اعرف أنا ما أقول.

وفي مساء نفس اليوم و بينما كنت أشاهد الدقائق الأخيرة من برنامج (الرياضة في أسبوع)، و بالتحديد مشاهد من رياضتي المفضلة الرقص الفني النسوي على الجليد كان والدي في الغرفة المجاورة يستمع لآخر أشرطة الرادود الحسيني حمزة الصغير، وإذا بوالدتي تنادي والدي:

- أبو كاظم اليوم أبو نافع لحد الآن ما مطفي ضوه البيتونه!

فخرج أبي من الغرفة و هو يُكفكفُ دموعَه بيشماغِهِ و أمرني ان اعبر الشارع إلى دار الدكتور ناجي الصفار و أن ألحق به إلى دار أبي نافع، هكذا كان اتفاق أهلي مع أبي نافع ان هو لم يُطفيء مصباح البيتونه بعد التاسعة مساءً، فهذا يعني تدهور حالته الصحية وعلينا الحضور فورا.

وفي غرفة أبي نافع همس الدكتور ان الرجل في آخر ساعاتهِ و لا جدوى حتى من نقله إلى المستشفى، قالها و ذهب و بقينا أبي وأنا عند أبي نافع الليل كله، كان أبي يسقيه الماء من ملعقةٍ نحاسية بينما انا على الأريكة أغفو ان هدأ و أصحو ان شهق.

حلمت اني اقطع الطريق على الموكب الرئاسي و انا جالس في مقعد أبو نافع المتحرك و عندما نزل الحرس لإزالتي من الطريق أنقذني والدي بصوته:

- محمد راح ايصير الفجر، اني اروح أصلي و ارجع أريدك تقره قرآن لبو نافع و اني ما أتأخر عليك.

جلست عند رأس الرجل و فتحت المصحف و كانت سورة الدخان فقرأتها كلها بصوت مسموع، فتح أبو نافع عينيه و نظر إلي بفم نصف مفتوح، فتصورتُ ان الرجلَ يستمتع بترتيلي الجميل، لكنه بقي على هذه الحالة حتى دخل أبي و بعض من ضياء الفجر إلى الغرفة، اقترب والدي من أبي نافع و وضع كفه على عيني الرجل فأغمضهما و هو يردد لا اله إلا الله، ثم مسح على رأسي وقال:

- روح بويه للبيت ، أبو نافع مات.

فركضت إلى سطح دارنا حيث أمي عند التنور تُصَفِقُ العجين خبزا، احتضنتها وانا ارتجف:

- مات أبو نافع ، أبو نافع مات.

أعطتني رغيفا حارا و بعض الدبس و أخذت تنادي السطوح المجاورة بالخبر، و السطوح تنادي السطوح حتى استيقظ الشارع كلهُ.

تذكرت الورقة و رقم هاتف رئيس الجمهورية فهرولت إلى بيت وليد ابن الحجية و هو البيت الوحيد الذي يملك هاتفا، وجدته واقفا عند باب الدار يراقب تجمع الناس عند دار أبي نافع، قال لي بعد ان أخذ نفسا من قِطعةٍ خشبيةٍ صغيرة تخيلها لُفافةَ تبغ:

- ها مات؟؟ شفته من مات؟ أجبته:

- نعم وقريتله سورة الدخان مرتين!

إنتفض وليد مبتسما بخبث وقال:

- انت قتلت المسكين ، لك اشلون تقراله سورة الدخان و هو عنده ربو؟!، يا مجرم.

قالها وهو يرافقني حيث جهاز الهاتف، كانت أصابعي ترتجف وانا اطلب الرقم، و بعد رنتين جاءني الصوت الغليظ:

- أبو هيثم تفضلوا؟

لم انطق رعبا، كرر الرئيس نفس الجملة بصوت أعلى وحينها نطقت:

- اني محمد جيران أبو نافع، فقال الرئيس:

ها اتوَفه أبو نافع؟ ابني اني بعد ساعة اجيكم لا ترفعون الجنازة حتى اجي..

ركضت و معي وليد و كان الرجال يربطون تابوت أبو نافع فوق سيارة فصرخت بهم:

- الريس أبو هيثم ايگول لا تاخذون الجنازة إلى ان اجي ، وهسه هو بالطريق.

ارتبك الناس و استفسر أبي مني، شرحت له القصة ثلاثة مرات، بينما أخذ بعضهم بتنظيف الشارع ، وصل الخبر إلى المنظمة الحزبية فتجمعوا عند دار أبي نافع، كما علق وليد ابن الحجية صورة كبيرة للرئيس و نائبه على باب الدار، لم ارَ شارعنا بتلك النظافة من قبل. مرت نصف ساعة من الانتظار المشحون بالترقب و أخذ الحزبيون تنظيم وقوف الجموع، وبينما نحن كذلك جاءت سيارة حديثة توقفت، و ترجل منها رجلان أحدهما صديق أبي نافع الطويل، نادى عليهما مسؤول المنظمة الحزبية ان يبعدو السيارة لأننا بأنتظار أبي هيثم الرئيس.

إلتفت الرجل يمينا و يسار و ابتسم قليلا و قال:

- يا جماعة تره هو اني أبو هيثم ابن عم المرحوم أبو نافع!

ساد صمت بين الجموع لبرهة ثم انفجروا بالضحك، الكل أخذ يضحك بشكلٍ هستيري ، انزل وليد صورة الرئيس، لم يحصل ان حضرت جنازة غارقة بالضحك كجنازة أبي نافع، وقفت كالمسمار في مكاني، ودس لي أبي درهما في جيبي وهو يبتسم، و راح وليد ابن الحجية اللعين يضحك و يقذفني بالنارنج المتعفن من حديقة أبي نافع.